الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

 
إعداد الرقيب الإمام إبراهيم راشد إبراهيم



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين
أما بعد: قال تعالى {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(النحل125)
هذه الآية تعتبر دستور الدعوة بين الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه في هذه الآية الأسلوب الأمثل في الدعوة وهي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .
والحكمة والموعظة الحسنة هي غاية ومطلب كل داعية في دعوته .وحتى يكتسب الداعية
الحكمة والموعظة الحسنة لابد من طرق ينبغي معرفتها وبيانها حتى يكتسبها و هذا هو موضوع بحثنا: طرق اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة و قد قسمته إلى ثلاثة فصول

الفصل الأول:- دور التربية القائمة على العلم والعمل في اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة
وكون هذه التربية مطلب أساسي للداعية

الفصل الثاني: في الطرق الرئيسية والثانوية في اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة

الفصل الثالث والأخير: المنهج النبوي في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
ونماذج من الدعوة النبوية ومن دعوة السلف الصالح ثم الخاتمة

الفصل الأول:- دور التربية القائمة على العلم والعمل في اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة وكون هذه التربية مطلب أساسي للداعية:

المبحث الأول:- دور التربية القائمة على العلم والعمل في اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة:-
من أهم خصائص التربية في الإسلام أنها قائمة على العلم والعمل(1) فهذه التربية القائمةعلى العلم
والعمل هي القاعدة الأساسية لاكتساب الحكمة والموعظة الحسنة فما الحكمة والموعظة الحسنة


(1) انظر آداب العلم والمتعلمين عند المفكرين المسلمين ص 135 تأليف يحيى حسن مراد دار الكتب العلمية ط الأولى


إلا معارف أو علوم ربانية مستمدة من الكتاب والسنة في الأساس وهذه المعارف أو العلوم
لا يكتسبها الداعية إلا عن طريق التربية القائمة على العلم والعمل وهكذا كان منهج النبي صلى
الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه رضوان الله عليهم وإكسابهم الحكمة والموعظة الحسنة
وسائر العلوم المعارف روى الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن- السُلمي-(1) قال: ((حدثنا من كان
يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه
وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ))(1)
فهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على العلم والعمل فصاروا شموسا للأرض
ورحمة من السماء فالتربية القائمة على العلم والعمل هي العامل الرئيسي في اكتساب الحكمة
والموعظة الحسنة

المبحث الثاني: في كون التربية القائمة على العلم والعمل مطلب أساسي للداعية الناجح:-
لا يصح للداعية أن يدعو إلى شيء وهو لا يعلم ماهو فإنه قد يدعو إلى ضلالة وهو لا يعلم
نبينا صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أن دعوته إنما هي عن بصيرة وبرهان قال تعالى:
{قُلْ هََذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
( يوسف 108) ثم إذا تعلم الداعية علما عليه أن يعمل به فلا فائدة من العلم بلا عمل إذ ثمرة
العلم العمل بل من الكبائر أن يدعو الداعية إلى شيء وهولا يعمل به يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴿2 ﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿3﴾} (الصف )
فلا عجب أن تبقى دعوة أمثال هؤلاء أثرها ضئيل أومعدومة بل حتى سلبية تأتي بنتائج عكسية
لانعدام القدوة الحسنة فيهم وللظلمة التي تغشى قلوبهم وأما الداعية الذي تربى التربية الربانية
القائمة على العلم والعمل فهذا الذي تلقى دعوته آذانا صاغية وقلوبا واعية فهذا هو الداعية
الناجح


عبدا لله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي القاري من كبار التابعين مات بعد السبعين تهذيب التهذيب
ص318 ط الرسالة الأولى
(1) مسند أحمد طبعة بيت الأفكار ص1729 حديث رقم 23878 بترقيم عالم الكتب و برقم 23482 بترقيم الرسالة



المبحث الثالث :دور التربية القائمة على العلم والعمل في إكساب المتربي الأخلاق
الحسنة والأدب التي هي من الأسباب الوهبية لنيل الحكمة والموعظة الحسنة:

لا يقتصر دور التربية على العلوم و الأعمال الظاهرة بل أيضا تشمل العلوم الباطنة تلك العلوم
التي يبصر به الداعية عيوب نفسه فيعمل على إصلاح خلقه وعلىأن يزداد أدبه
و إذا كانت العلوم الظاهرة من الأسباب التي يكتسب بها الداعية الحكمة والموعظة الحسنة فإن
الأعمال الباطنة من الأسباب التي يهب به الله الحكمة والموعظة الحسنة كما جاء ذلك عن
السلف الصالح
قال سفيان الثوري(1) : (إذا زهد العبد في الدنيا أنبت الله الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه وبصره
عيوب الدنيا وداءها ودواءها)(2) و قال الفضيل بن عياض(3) :( من عامل الله عز و جل بالصدق أورثه الله عز و جل الحكمة)(4) فبهذا نال سلفنا الصالح الحكمة بصدقهم وزهدهم نالوها بأنهم كانوا أحسن الناس أخلاقا وأكثرهم إيمانا

الفصل الثاني: -طرق اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة:-

طرق اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة عديدة ولكن هناك طرق أساسية لاغني عنها وهي
القرآن الكريم والسنة والسيرة النبوية وسيرة السلف الصالح من أهل القرون المفضلة وبالأخص
سيرة الصحابة رضوان الله عليهم وهناك أيضا طرق ثانوية مهمة وهي عديدة اقتصرنا على
الأهم منها وهي علم العقيدة ثم الفقه وأصوله ثم عام التصوف ثم الثقافة الأدبية واللغوية ثم
الإلمام بفقه الأولويات


المبحث االأولى:لطرق الأساسية لاكتساب طرق اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة:
الطريقة الأولى :- القرآن الكريم :-

القرآن الكريم الطريقة الرئيسية و المصدر الأول للحكمة فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي أحكمت
آياته لفظا ومعنى ونظما من لدن حكيم خبير


(1) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي العالم الحافظ الفقيه الزاهد أمير المؤننين في الحديث توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة ثهذيب التهذيب ص 56 ج2
(2) حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني رقم 9274ص366ج 6مكتبة الإيمان تحقيق عبد الله المنشاوي ط الأولى
(3) فضيل بن عياض بن مسعود التميمي أبو علي الزاهد المشهور العابد العالم مات سنة سبع وثمانين ومائة تهذيب التهذيب ص399ج3
(4) حلية الأولياء لأبي نعيم رقم11506ص91ج8




وإذا وقعت كلمة الحكمة في القرآن غير مقرونة بكلمة أخرى فالمقصود بالحكمة القرآن الكريم كما قال تعالى:- {ذَلِكَ مِمّآ أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴿39﴾}( الإسراء)
والقرآن كما هو كتاب حكمة هو كتاب موعظة بل هو كتاب الوعظ الأول قال تعالى:-: {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴿57﴾}( يونس)
ومن لم يعظه القرآن الكريم فلا واعظ له.

وحتى يكتسب الداعية الحكمة والموعظة الحسنة من القرآن الكريم عليه أن يراعي الأمور التالية:
أولا:- قرآة القرآن بتدبر وخشوع و تفهم مع المحافظة على آداب قرآة القرآن الكريم الظاهرة
والباطنة (1)

ثانيا: إذا أراد الداعية أن يتحدث في موضوع ما فالأفضل أن يجمع الآيات المتعلقة بالموضوع
سواء الآيات التي فيها نفس الألفاظ المتعلقة بالموضوع وهنا يستعين بالمعجم المفهرس لألفاظ
القرآن الكريم أو الآيات التي تتعلق بالمعاني المتصلة بموضوعه وهنا يحتاج الداعية إلى تفهم
وحسن إدراك لما له صلة بالموضوع ويمكن أن يستعين هنا بالمعجم الموضوعي للقرآن الكريم
ثم بعد ذلك يجمعها يصنفها بما يلائم الغرض ويوضح نظرة القرآن إلى الموضوع (2)

ثالثا: -حسن الاستدلال بآيات القرآن ووضع الدليل أو الشاهد القرآني في موضعه فحينئذ يزيح كل
شبهة ويقطع كل معارض فلا دليل بعد القرآن ولا حديث أصدق من كتاب الله ومن{ أصدق من
الله حديثا ﴿87﴾}( النساء) فلا يملك المسلم أمام الدليل القرآني إلا أن يقول سمعنا وأطعنا (3)
وحتى يتم للداعية حسن الاستدلال ينبغي أن يلتزم هنا أمرين:-

الأول:- أن يستدل بالمتفق عليه لا المختلف فيه أو الذي يتطرق إليه الاحتمال مثل أن يستدل على شمولية الإسلام بقوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء﴿38﴾} (الأنعام) لأن الكتاب يحتمل أن يكون المقصود به القرآن أو اللوح المحفوظ (4)

الثاني:- أن يتجنب الاستدلال ما ليس بدليل مثل أن يستدل على أن بقوله تعالى{ واتقوا الله ويعلمكم الله ﴿282﴾} (البقرة)على أن من ثمار الثقوى العلم على أن ليس في الآية ما يدل على اشتراط ذلك (5)


(1) انظر مفاتيح التعامل مع القرآن ص50إلى56د صلاح.الخالدي دار القلم وانظر التبيان في آداب حملة القرآن للنووي
(2) ثقافة الداعية ص21 د.يوسف القرضاوي مؤسسة الرسالة
(3)نفس المصدر ص30
(4) نفس المصدرص32
(5) نفس المصدرص32إلى ص33



رابعا: أن يستعين لفهم كلام الله بالتفاسير الموثقة (1) وحتى يتحقق هذا الفهم عليه مراعاة ما يلي:

1- الاهتمام بلباب التفسير أي المعنى المقصود من الآية و معرفة الحكمة والعظة من الآية
وعدم الالتفات لما كتب حول الآية من مباحث لفظية وكلامية وبلاغية ونحوية.....الخ إلا إذا كان
كان هناك داع لذلك (2)

2- الإعراض عن الإسرائيليات التي حطت كثيرا من قيمة بعض التفاسير والحق أن هذه
الإسرائيليات شوهت فكرنا ولا خير فيها لا من قريب ولا من بعيد(3)

3- الحذر من الروايات الضعيفة والمكذوبة (4) لأن كثيرامنها مغرضة ومشبوهة مثل روايات
مقاتل بن سليمان(5) والسدي الصغير(6)

4- الحذر من الأقوال الضعيفة والآراء الفاسدة التي يتبناها بعض ثقات المفسرين(7) مثل رأي
مجاهد في المقام المحمود(8)

5-العناية بالقصص القرآني والأمثال القرآنية فالقصص القرآني أحسن القصص يرى فيها
المسلم الحكمة العلمية والعملية والموعظة الحسنة حية شاخصة أمامه متمثلة بقصص الأنبياء
والصالحين والقصص القرآني من أقوى وسائل الدعوة في القرآن(9) وأما الأمثال القرآنية(10)
فهي أعم من تعريف اللغويين والأدباء فهي عبارة عن تمثيل حال أمر بحال أمر أخر سواء ورد هذا التمثيل عن طريق الاستعارة أو التشبيه أو الكناية دون اشتراط الغرابة و الطرافة فهي للعبرة وللعظة وتقريب الأمور الغيبية وهي مقاييس عقلية تخلو من التكلف وهي قواعد كلية للمباديء الخلقية صالحة لكل زمان ومكان(11)
سادسا: الحذر من سوء التأويل(12) وحملها على معان جديدة أو فهم جديد يخالف و المعروف من معنى الآية ومن أسباب سوء التأويل في هذا العصر: إخضاع النص للواقع الزمني مثل من


(1)ثقافة الداعية ص 37
(2) نفس المصدر ص39-40
(3) نفس المصدرص41-46
(4) نفس المصدر ص46-50
(5) مقاتل بن سليمان بن بشير الازدي الخراساني أبو الحسن البلخيعاالم بالتفسير لكنه واهي الحديث واتهم بالكذب تحوي مروياته الكثير من الإسرائيليات التالفة توفي150 تهذيب التهذيب ص 143ج4
(6) ) محمد بن مروان بن عبدالله بن اسماعيل بن عبدالرحمن السدي الاصغر كوفي متهم بالوضع تهذيب التهذيب ص692ج3
(7) ثقافة الداعية ص 49-51
(8)مجاهد بن جبرالمكي أبو الحجاج المخزومي المقري من كبار التابعين. من أئمة التفسير والعلم توفي101ه
وقوله في المفام المحمود راجعه في تفسير القرطبي آية 79 سورة الإسراء
(9) ثقافة الداعية ص24-25
(10) دراسات في علوم القرآن ص 299-316 د.محمد بكر إسماعيل دار المنار
(11) نفس المصدرص299-300 (12) ثقافة الداعية ص 34


أباح الربا مراعاة للأنظة الاقتصاية السائدة أو يحرف معنى الآية لنظرية علمية (1) أو تبني
مذهب أو اتجاه سابق ثم اتخاذ النصوص بعد ذلك دليلا(2) مثل يفعل أصحاب دعوة التقريب بين الأديان عليها أو تجزئة النصوص ربطها مع بعض مثل من قصر الربا على الربا الاستهلاكي لا الإنتاجي أو اتباع المتشابهات(3) مثل فواتح السوروتفسيرها على حساب الجمل
سابعا: العناية بعلم الإعجاز القرآني من كل جوانبه وبالأخص العلمي إذ أغلب الناس مهما تباينت
ثقافتهم ينجذبون إلى موضوع الإعجاز العلمي (4)
الإلمام بعلوم القرآن فهي مدخل لا بد منه لدراسة القرآن وما يتعلق بالقرآن من علوم كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ(5)



الطريقة الثانية لاكتساب الحكمة الموعظة الحسنة:-
السنة والسيرة النبوية:-

السنة هي شارحة للقرآن والمبينة له والمفصلة لما أجمل و فيهل يتمثل التفسير النظري
والتطبيق العملي لكتاب الله وقد جمعت السنة من كنوز العلم وأسرار المعرفة وأصول الهداية ما
يكون زادا للمسلم في الحياة الدنيا ونجاة له في آخرته(6) فلا جرم أن يجد فيه الداعية مبتغاه من
الحكم البليغة و المواعظ الحسنة

وقد صور النبي صلى الله علي وسلم ما بعثه الله عز وجل من الهدى والعلم و موقف الناس من
الاستفادة من هذا العلم تصويرا بليغا فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إنَّ مَثَلَ ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غَيْثٍ أصاب أرضًا ، فكانت منها طَائِفَةٌ طيِّبَةٌ ، قَبِلَت الماءَ فأنْبَتت الكلأ والعُشْبَ الكثير ، وكان منها
أجادِبُ أمْسَكت الماءَ، فنفع الله بها النَّاسَ ، فشربوا منها ، وسَقَوْا ورَعَوا ، وأصابَ طَائِفَةً منها أخْرى ، إنَّما هي قِيعَانٌ لا تُمسِكُ ماءا ، ولا تُنْبِتُ كلأً ، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين اللهِ عزَّ و جلَّ ، ونَفَعَهُ ما بعثني الله به ، فعلِمَ وعلَّم ، ومَثَلُ من لم يَرْفع بذلك رَأسًا ، ولمْ يقبل هُدى اللهِ الذي أرْسِلْتُ به ) (7)


(1) ثقافة الداعية ص 34
(2) نفس المصدر نفس الصفحة
(3) نفس المصدرص37
(4) انظر كتاب من آيات الإعجاز العلمي في القرآن ص 33-36 د .زغلول النجاردار الشروق الجديدة
(5) ثقافة الداعية ص37
(6) نفس المصدرص52
(7) البخاري رقم 79 ومسلم رقم2283


و حتى يكتسب الداعية و الحكمة والموعظة الحسنة من السنة النبوية عليه أن يراعي الأمور
التالية:-

1-إن الأولوية في معرفة السنة النبوية هي للكتب المعروفة والأصول الستة وهي:- صحيح
البخاري ومسلم و سنن أبي داوود والترمذي والنسائي و ابن ماجة أو سنن الدارمي ويدخل مع
تلك الكتب بطريق الأولوية موطأ مالك ثم بعد تلك الأصول يأتي مسند أحمد فهذه الكتب هي
أصول الإسلام بعد القرآن الكريم(1)

2-الاستعانة بالشروح الحديثيةا لمعروفة(2) ما في الحديث من أحكام وحكم و عظات وعدم الاتكال على النفس لأنه فد يأتي بفهم يخالف غير صحيح

3- إن الأولوية في معرفة درجة الحديث من الصحة والضعف هي لعلمائنا المتقدمين فهم الأحفظ
والأوثق ثم بعد ذلك يأتي المتأخرون ولا يقبل منهم التصحيح والتضعيف إلا للمعروفين بالحفظ
والمعرفة مثل المنذري والنووي وابن حجر(3)

4-جمع الأحاديث في الموضوع الواحد وتصنيفها بما يناسب الغرض (4) وهنا يستعين بمفاتيح كنوز السنة

5- تحنب طرح الأحاديث المشكلة(5) على العوام من غير ضرورة مثل بعض أحاديث الصفات

6- الحذر من الأحاديث الموضوعة والواهية(6)و فلهذا ينبغي للداعية أن يعتمد في مادة دعوته الحديثية على كتب ثقات أهل العلم المشهورين مثل رياض الصالحين للنووي والترغيب والترهيب للمنذري و أما الحديث الموضوع فلا يحل أن يستدل أو يستشهد به ولا يجوز أن يرويه إلا مع بيان وضعه وأما الحديث الضعيف فأكثر العلماء على جواز الاستشهاد به في فضائل الأعمال لا في الأحكام الشرعية وفي العقائد(7)ولايجوز للداعية حديثا ام يعف من أخرجه فيجب عليه أن تكون عند معرفة بمصطلح وتخريجه ليعرف كيف يتعامل مع هذا الحديث أو إذاكان هذا الحديث غير المعزو في كتاب عرف مؤلفه بالتحري والتثبت كفاه ذلك(8)


(1) - ثقافة الداعية ص53
(2) نفس المصدر ص 55
(3)راجع تدريب الراوي للسيوطي ص88-90 دار الفكرتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف
(4) ثقافة الداعيةص59
(5) نفس المصدر ص 71
(6) نفس المصدر ص73-80
(7) معجم المصطلحات الحديثية 456-457 سيد عبد الماجد الغوري دار ابن كثير (8) انظر فتوى ابن حجر الهيتمي في هذا الموضوع في حاشية الأجهري على شرح الزرقاني على الببقونية ص220 دار الكتب العلميةوالفتوى منقولة من الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي



الطريقة الثالثة لاكتساب الحكمة والموعظة الحسنة

القدوة الحسنة من خلال سيرة السلف الصالح:-
السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة ومن اهتدى بهديهم ونهج نهجهم ممن جاء بعدهم
هم القدوة الحسنة والمثال الذي يحتذى به و بالأخص سيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و
كيف لايكون هؤلاء قدوتنا وهم المشهود لهم بالتزكية والعدالة في القرآن الكريم و السنة النبوية
قال:تعالى: {وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}﴿100﴾ (التوبة)
و روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - :( قالت : سأل رجل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- : « أيُّ الناس خير؟ قال : القرنُ الذي أنا فيه ، ثم الثاني، ثم الثالث ) (1) فلقد كانوا أكثر الناس إيمانا
وأحسنهم أخلاقا فهم قدوتنا وفخرنا.فهمهم الفهم السليم ورأيهم الرأي الأصوب ودعوتهم التزموا
فيها بالحكمة والموعظة الحسنة حتى روي أن بعضهم أوصى في مماته بخواتيم سورة النحل
وهي قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة والوصية بها تكون بحفظها وفهمها
بها روى أبو نعيم في الحلية عن قتادة قال( ذكر لنا أن هرم بن حيان لما حضره الموت قيل له
أوص قال ما أدري ما أوصي ولكن بيعوا درعي فاقضوا عني ديني فإن لم يفي فبيعوا غلامي
وأوصيكم بخواتيم النحل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة )(2)
و حتى يكتسب الداعية الحكمة والموعظة الحسنة خلال سيرة السلف الصالح عليه أن يراعي
الأمور التالية:-

1-الرجوع إلى إلى سيرتهم وبالأخص الصحابة يكون من خلال المصادر الأصلية والموثقة مثل
سيرة ابن هشام وما كتب عليها وتاريخ الطبري وابن كثير. و من المظان المعتمدة التي يجد فيها
الكثير من الحكم البليغة والمواعظ الحسنة للسلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم
كتاب الزهد للإمام أحمد حلية الأولياء لأبي نعيم و تاريخ ابن عساكر و سير أعلام النبلاء للذهبي و مصنف ابن أبي شيبة و تفسير الطبري ففي هذه الكتب الكثير الطيب من أقوالهم و أفعالهم


(1) -مسلم رقم 2536
(2) حلية الأولياء1741 ص111ج2



2- عدم الخوض فيما شجربين الصحابة من الفتن هذا هو هدي سلفنا الصالح ممن جاء بعدهم (1)

3-أن يزن الروايات وبالأخص المشكلة بميزان علم مصطلح الحديث (2)

المبحث الثاني الطرق الثانوية لاكتساب الحكمة والموعظة الحسنة
الطرق الثانوية لاكتساب الحكمة والموعظة الحسنة عديدة و لكن هناك طرق مهمة لايستغني
عنها الداعية وإنما قالنا عنه إنها ثانوية مع أهميتها لأنه مستمدة من الطرق الثلاث السابقة ونذكر
أهم هذه الطرق هذه الطرق على وجه الاختصار فنقول:
الطريقة الأولى:علم العقيدة: فيجب على الداعية أن يعرف عقيدته عن بصيرة وبرهان
بحيث إذا رأى انحراف عقدي أزالها وبحيث يجيب على أسئلة الحائرين ولا يتأثر بتشكيك
المتشككين وينبغي هنا للداعية أن يهتم بالأدلة القرآنية والحديثية في فهم العقيدة و أن لهما الأولوية في عرض الدعوة وبالأخص أمام العوام(3)

الطريق الثانية: الطريقة الرابعة الفقه وأصوله(4):
لابد للداعية من قدر مناسب للفقه بحيث يستحضر أهم الفروع الفقهية وذاك أن الداعية معرض
دائما للسؤال وحتى إذا ما واجه أخطاء أو انحرافات واجهها بعلم وقوة وثبات وحتى لا ينكر أمرا
مجتهدا فيه بين الأئمة إلا إذا ترتب عليه منكر أكبر(5) وأما أصول الفقه فهو المدخل إلى استنباط
الأحكام الشرعية من مصادرها وهو العلم الذي يعرف كيف يتعامل به الداعية مع النصوص
وباختصار هدا العلم يعبر عن منهج السلف في فهم الكتاب والسنة(6)

وحتى تكون دروس ومواعظ حسنة وكلها حكمة الداعية القفهية ينبغي أن يراعي الأمور التالية:

1-أن يحرص على ربط الأحكام بأدلتها من الكتاب السنة وغير ذلك من الأدلة المعتبرة(7)

2-تجنب المبالغة التعليلات المادية بأن يحصر الحكمة في الوضوء على النظافة أوأن يعللها بأمر غير جامع ولا مانع مثل تعليل الحرمة في لحم الخنازير على الأمراض التي تسببها (8) والأفضل في مجال التعليل أن يقتصر على التعليل القرآني أو النبوي(9)


(1) الإرشاد لإمام الحرمين ص172 دار الكتب العلمية
(2) راجع في أصول تاريخ العرب الإسلامي ص93د محمد حسن شراب دار القلم.
(3) ثقافة الداعية ص93
(4) نفس المصدرص80
(5) نفس المصدر 80-81
(6) راحع كتاب السلفية ص 22وما بعدها للبوطي
(7) - ثقافة الداعية ص 83
(8) - نفس المصدر ص83-90




الطريقة الثالثة: عام التصوف(1):
وهو العلم الذي يهتم بتزكية النفس ومعرفة آفاته اوهنا نعني بالتصوف تصف الفقهاء المبني على
الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح ولانعني به تصوف الفلاسفة تصوف أهل الحلول والوجود
بل نعني به التصوف بمعناه الصحيح وهولا غنى عنه للداعية لأن يجمع الكثير من الحكم البليغة والمواعظ الحسنة ولأن فيه لفتات روحية مشرقة لا تجدها عند عيرهم غي فهم الآيات و الأحاديث ولأنهم بحق المرجع في معرفة آفات النفس وعلاجه والوقاية من عللها ومن المراجع المعتبرة التي يجد الداعية ما يفيده في اكتساب الحكمة والموعظة من هذا العلم كتب الحارث المحاسبي مثل الرعاية وهداية المسترشدين و حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني وإحياء علوم الدين للغزالي والحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري
الطريقة الرابعة: الثقافة الأدبية واللغوية: (2) فاللغة بمفرادتها ونحوها وصرفها وبيانه وبلاغتها
لازمة لسلامة اللسان وصحة الأداء السمع فالداعية الذي يلحن في آيات القرآن و الأحاديث النبوية
ويحرف المعاني كيف لهذا أن تكون دعوته حكيمة ومواعظه
وأيضا اللغة العربية مصدر من مصادر الحكمة والموعظة الحسنة فكتب الأدب العربي مثل
العقد الفريد لابن عبد ربه وكليلة ودمنة لابن المقفع ونهج البلاغة للشريف الرضي وكتب
الأمثال والدواوين الشعرية مثل ديوان الأمام الشافعي يحد فيه الداعية الكثير من الحكم والمواعظ
الحسنة يستشهد بها الداعية ويجمل بها كلامه ما يجذب المستمعون إليه
الطريقة الخامسة وهي أهم الطرق الإلمام بفقه الأولويات(3):
فقه الأولويات هو وضع كل شيء في موضعه من القيم والأحكام والأعمال وفق معايير شرعية
صحيحة يهتدي فيها بنور الدين والعقل فيقدم الأولى فالأولى ففقه الأولويات يرادف الحكمة
بحسب تعريف ابن قيم الجوزية للحكمة فقال إن الحكمة (فعل الذي ينبغي على الوجه
الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي) (4)


(1): - ثقافة الداعية ص94-96
(2) نفس المصدر 114
(3): -في فقه الأولويات ص9 د. يوسف القرضاوي مكتبة وهبة ط الخامسة
(4): -مدارج السالكين ص160ج2 لابن قيم الجوزيةدار الغد الجديد تحقيق عاطف صابر شاهين



ففقه الأولويات هي الحكمة بمفهومها الجديد
وهنا نذكر نبذة من الأولويات التي ينبغي أن يراعيها الداعية ويتفهمها
أولا:الأولويات في مجال العلم:
الأولوية للفهم على الحفظ (1)والأولوية على فهم المقاصد على الوقوف والتحجر أمام الظواهر(2
والأولوية للمذاهب والآراء الفقهية المعروفة والمشهورة على المذاهب والآراء الفقهية الغريبة
والشاذة (3)
ثانيا: الأولويات في مجال العمل
الأولوية للعمل الدائم على العمل المنقطع(4) و الأولوية للعمل المتعدي النفع على القاصر (5) والأولوية للعمل أطول والأبقى أثرا على غيره(6) الألوية للعمل في زمن الفتن والأولوية لأعمال القلوب على أعمال الجوارح (7)
ثالثا الأولويات في مجال الدعوة والإصلاح
الأولوية للتخفيف والتيسير على التشديد والتعسير(8) والأولوية في الدعوة لما اهتم به القرآن(9)
والأولوية للكيف على الكم (10)
رابعا: الأولويات في مجال المأمورات
الأولوية لأصول الدين عل فروعه(11) والأولوية للفرائض قبل السنن والنوافل(12) و الأولوية لفرض العين على فرض الكفاية (13))
خامسا: الأولويات في مجال المنهيات
الأولوية في المنهيات للكفر و الشرك والنفاق (14) و الأولوية للتفريق بين الكفرالأكبر والشرك الأكبر والكفرالأصغر والشرك الأصغر(15) و الأولوية في المنهيات للكبائر عل الصغائر(16) والأولوية في المنهيات للصغائر على المكروهات (17) والأولوية للتفريق بين البدعة المحرمة والمكروهة والواجبة والمستحبة والمباحة (18)


(1) - في فقه الأولويات ص57-59
(2) نفس المصدر ص60
(3) انظرص80من كتاب الفوائدالمستمدة من تعليقلت العلامة عبد الفتاح أبي غدة دماجد الدرويش-دار أبي حنيفة
(4)في فقه الأولويات ص87-ص
(5) نفس المصدر ص89-90ص
(6) نفس المصدرص92
(7) نفس المصدر ص 94- 100ص
(8) نفس المصدر ص 71-ص76
(9) نفس المصدر ص82
(10) نفس المصدر ص35-46
(11) نفس المصدرص111
(12) نفس المصدرص111
(13) نفس المصدر ص 119
(14) نفس المصدر ص135-140
(15) نفس المصدر ص 142-147
(16) نفس المصدر ص150
(17) نفس المصدرص159
(18) نفس المصدر راجع قواعد العز بن عبد السلام ص172ج2 ط دار المعرفة



الفصل الثالث المنهج النبوي في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
ونماذج من الدعوة النبوية ومن دعوة السلف الصالح

المبحث الأول: المنهج النبوي في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة
قال تعالى:{لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً}(الأحزاب )21
فرسول الله قدوتنا وأمامنا فهديه في الأمور كلها خير هدي ومن ذلك هديه أو منهجه في فالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولا شك أن منهجه المنهج الأمثل والأكمل
وللمنهج النبوي سمات مميزة يحسن بالداعية أن يلم بها و من أبرز هذه السمات

1- إنها قائمة على الخلق الحسن سواء بالنسبة للداعي أو الدعوة فنبينا صلى الله علي وسلم كان أحسن الناس أخلاقا وكم أسلم من الناس في عهده عندما عاينوا خلقه وكم أسلم من جاء بعدهم عندما سمعوا بخلقه وأما عن عن الدعوة فدعوته كانت بعد توحيد الله وأداء الفرائض الدعوة إلى مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (1)

2- التيسير ما ستطاع إليه سبيلا روت عائشة رضي الله عنها( أن ما خير رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه ) (2)
وقد كان من المنهج النبوي عندما يبعث دعاته أن من أول ما يوصيهم به بالتيسير و التبشير(3)

3-العفو والصفح والإعراض عن الجاهلين وصفت عائشة خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت (كان أحسن الناس خلقا لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا بالأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ) (4) وكم تجاوز النبي عليه الصلاة والسلام عن جفاء الأعراب ولم يؤاخذهم بل تجاوز عنهم و أكرمهم و أحسن إليهم


(1) - أحمد 8939 والبيهقي 20571واللفظ له عن أبي هريرة
(2) البخاري3650 ومسلم 2327
(3) انظر صحيح مسلم حديث رقم 1732 (4) أحمد 26032




4-الحرص على الستر وعدم إشاعة الفاحشة فما كان من هدي النبي فضح العصاة بل كان يكتفي
في الغالب بعدم ذكر الأسامي ويكتفي بالإشارة كما روى النسائي عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (أنه صلى صلاة الصبح ، فقرأ (الروم) فالتُبِس عليه ، فلما صلى قال : ما بال أقوام يصلُّون معنا، لا يُحسنون الطُّهور ؟ وإنما يُليِّس علينا القرآنَ أولئك(1)

5-الغضب والشدة والتعنيف إذا انتهكت محارم الله قالت عائشة رضي الله عنه( ما رأيت رسول الله منتصرا من مظلمة ظُلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك)(2)

6- مراعاة حال المدعوين ومن مظاهر تلك المراعاة:
أ-إنه كان لا يواجه أحدا بشيء يكرهه كما روى عنه ذلك أنس رضي الله عنه (3)
ب -الحرص على تأليف من أسلم حديثا بإظهار الاهتمام به والمودة عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ:
(كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ ، يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ)(4)
ج -تخصيص البعض بالعلم دون آخرين خشية سوء الفهم (5)فكل ما ذكرناه يعلم به أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يراعي أحوال المدعوين في دعوته بما يقتضي المقام

7-لحرص على تفهيم المدعوين و إيصال المعلومة وذلك يتمثل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلام ثلاثا لتفهم كما روى ذلك عنه أ نس رضي الله (6) أو أن يضرب الأمثال أو أن يقص القصص الهادفة

8- امتاز كلام النبي صلى الله عليه وسلم الفصاحة والوضوح والبلاغة (7) الإيجاز بحيث يسهل
حفظها و استيعابه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت تصف كلام النبي علي الصلاة والسلام


(1) النسائي 947
(2) رواه الترمذي في الشمائل ص328ح2 مع شرحها المواهب المحمدية للجمل دار الكتب العلمية
(3) 4182 أبو داوود
(4) أخرجه الترمذي في الشمائل ص 317-318 مع شرحه المواهب المحمدية
(5) كما بوب ذلك البخاري في الصحيح فقال"( باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا) رقم الباب 49
(6) الترمذي في السنن
(7) راجع مبحث البلاغة النبوية في كتاب البلاغة النبوية للرافعي المقرون مع كتابه إعجاز القرآن الكريم




(كَانَ كَلامُهُ فَصْلاً يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا يسرد الْكَلامَ كَسَرْدِكُمْ هَذَا يَحْفَظُهُ كُلُّ مَنْ يسمعه)(1) 9- لم يكن يتكلم النبي عليه الصلاة والسلام بما يستنكره العقل وما و ما يمجه الطبع وينفر منه السمع بل كان كلامه يوافق العقل وتستروح له النفوس السوية كما أمره الله عز وجل:
{خُذِ العفو. وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين (199)}( الأعراف) قال البيضاوي:العرف:المعروف المستحسن من الأفعال(2) وهذا ما استطعنا جمعه من أبرز سمات الدعوة في المنهج النبوي

المبحث الثاني نماذج من دعوة النبي صل الله عليه وسلم والسلف الصالح تتجلى فيها
الحكمة والموعظة الحسنة


النموذج الأول النموذج النبوي
عن أبى أمامة قال أن فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ائذن لي في الزنا فزجره القوم فقال له ادنُ منى فلما دنا منه أتحب الزِّنا لأمك قال لا والله قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال أفتحبه لابنتك قال لا قال ولا الناس يحبونه لبناتهم قال أتحبه لأختك قال لا قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال أتحبه لعمتك قال لا قال ولا الناس يحبونه لعماتهم قال أتحبه لخالتك قال لا قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم فوضع يده عليه وقال اللهم اغفر ذنبَه وطَهِّرْ قلبَه (3)
النموذج الثاني للصحابة رضوان الله عليهم :عمر رضي الله عنه مع صبيغ
روى الدارمي من طريق سليمان بن يسار قال( قدم المدينة رجل يقال له صبيغ بوزن عظيم وآخره مهملة بن عسل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر فأعد له عراجين النخل فقال من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ قال: وأنا عبد الله عمر فضربه حتى أدمى رأسه فقال حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده)(4)


(1) الترمذي
(2)تفسير البضاويص46 ج2 مجلد الأول ص ط دار إحياء التراث
(3) أحمد22265
(4) الإصابة في معرفة الصحابة ص266ج2 مكتبة مصر



النموذج الثالث للتابعين لسيد التابعين: أويس بن عامر القرني
(رأى رجلا يصلي يقوم ويقعد قال مالك ؟ قال أقوم فيجيئ الشيطان فيقول إنك ترائي فاجلس ثم
تنازعني نفسي إلى الصلاة فأقوم ثم يقوا إنك ترائي فاجلس فقال لو خلوت كنت تصلي هذه
الصلاة قال نعم قال فصل فلست ترائي(1))
النموذج الأخير لسلفنا الصالح من الزهاد والعلماء والصالحين:أحمد بن محمد الغزالي شقيق الإمام الغزالي
(فام إليه رجل فقال له كنت مفردا فتزوجت وطلبت من نفسي وظائف من البر كنت أفعلها حالة العزبة فلم أستطعها أتشير علي بالطلاق فقال من غير ترو كنت طائرا تحلق فأخذتك مثقلات الشرع فانحطت بك إلى الأرض ثم تروم الفرار كلا)(2)




الخاتمة:
لا شك أن هذا البحث يطول ويطول وليس يكفيه مجرد ورقات أو بعض النقولات ولكن الذي
نخلص إليه من هذا البحث :
أن التربية القائمة على العلم هي العامل الأساسي في اكتساب الحكمة والموعظة الحسنة
وأن القرآن الكريم ثم السنة النبوية ثم سيرة السلف الصالح الطرق الرئيسية لاكتساب
الحكمة والموعظة الحسنة
أن المنهج النبوي في الدعوة هو النمهج الأمثل في الدعوة
و أخيرا أوصي أخواني بتقوى الله في السر والعلن و أن يجعلوا جل أوقاتهم مع القرآن وسنة
المصطفى صلى الله علي وسلم ومع سيرة السلف الصالح يهبهم الله بكرمه وفضله
الحكمة والموعظة الحسنة وهو ولي ذلك والقادر عليه
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


(1) الزهد لأحمد بن حنبل ص401 مكتبة
(2) معجم السلفي ص 53دار الفكر تحقيق عبدالله عمر البارودي